ابنِ في كل مكان منزلًا

 


ابنِ في كل مكان منزلًا

كان رجلاً كهلًا أوصى ابنه بأن يبني منزلًا في كل مكان تطأه قدماه. استغرب الابن تلك الوصية وسأل والده: "وكيف لي أن أفعل ذلك؟"

ابتسم الأب بحكمة وأجاب: "بأن تتخذ لك صديقًا في كل مكان تصل إليه، فحينها تكون قد بنيت منزلًا في قلب كل إنسان."

فرح الابن بذلك، وشرع في تنفيذ وصية والده، فكان يُعمّر بصداقته منازل عديدة حيثما حلّ وارتحل. مرت السنون، وتعاقبت الأيام، وتغيرت الأحوال. السياسة فرضت سطوتها على الأصدقاء والأقارب، وأصبح كل واحد منهم في وادٍ، وهو في وادٍ آخر.

أدرك الابن حينها أن شيئًا ما تغيّر جذريًا؛ بدأت الصداقات تنهار، وانقلبت القربى إلى تباعدٍ ونفور. فما بناه طوال سنواتٍ طويلة انهدم عند أول خلافٍ سياسي، إذ لم يعد فكره متوافقًا مع من كان يظنهم أوفياء.

نحن في زمنٍ من الانحطاط السياسي والأخلاقي، حيث أصبح كل شيءٍ مسيَّسًا، والسياسة إذا ولجت مكانًا أفسدته. فإن لم تجلَّ وتحترم من يحب الصديق والقريب، صرت غريبًا عنهم.

ولم يسلم البيت الواحد من هذه السوسة، بل نخرت جدرانه وفرقت الأبناء تحت سقفٍ واحد، حتى تحقق ما قاله جبران في كتابه النبي: "الويل لأمةٍ لا تنوح إلا بالأحزان."

أما أنا، فأقول: تَبًّا لأمةٍ تجبر ناسها على عبادة أشخاصٍ أقلُّ ما يُقال عنهم إنهم قتلة.

طرابلس في 22 \ 6 \ 2013

غسان رزق العلي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجنرال الأبيض

  الجنرال الأبيض هذه القصة أنا بطلها، غسان رزق العلي، وحدثت معي في أحد أيام الثلج في صافيتا. أيقظني أبي من النوم، وكان الثلج قد نثر غطاء...