لما الأهل يخذلون الأولاد يقعون في مشاكل لا تحمد عقباها
الناس لبعضها
في
حياةٍ يختلط فيها الألم بالأمل، وجدت هذه المرأة نفسها مضطرةً إلى الزواج من أحد
أقربائها، رغم اختلاف ديانته، هروبًا من ظلم زوجة أبيها المتسلطة التي لم تعرف
الرحمة يومًا. ومع مرور الأيام، أنجبت ثلاثة أطفال: فتاةً، ثم صبيًا، ثم فتاةً
أخرى. غير أنّ الأب تخلّى عنهم، تاركًا الأسرة تواجه مصيرها وحدها، بعدما رحل إلى
الخليج للعمل دون أن يسأل عنهم أو يحاول الاطمئنان على أحوالهم.
مرّت
السنوات الثماني، وبقيت الأم تواجه قسوة الحياة مع أطفالها، غارقةً في الفقر
والمعاناة، رغم وجود أهلها على مقربةٍ منها. ولم يكن ذلك كافيًا، إذ جاء اليوم
الذي زارتهم فيه حماتها، فسلبت منهم فراشهم وأغطيتهم، بحجّة أنّ أبناءها الآخرين
يحتاجون إليها. كلّ ذلك حدث أمام أهل الزوجة الذين لم يحرّكوا ساكنًا. وحدها
جارتهم الطيبة لم تحتمل المشهد، فانتفضت في وجه الحماة، غير أنّ ذلك لم يغيّر
الواقع.
وفي
مساء ذلك اليوم، عادت الجارة لترى كيف تدبّرت الأسرة أمورها، فوجدتهم بلا فراشٍ
ولا غطاءٍ يحمي أطفالهم من البرد. عندها، قررت أن تأخذ الأمر بيدها، فذهبت إلى
زوجها وأقنعته بمساعدتهم، رغم تردّده في التدخل في شؤون غيره.
لم
يمرّ وقتٌ طويل حتى حملت الجارة معهم الفراش والاغطية، وفرشته للأطفال، وأخذت الأم
إلى بيتها، مؤكّدةً لها: "أولادك كأولادي، ولن أتركهم وحدهم." وهكذا،
بدأت القصة تأخذ منحًى أكثر دفئًا، إذ تكفّلت الجارة برعاية الأطفال خلال النهار
حتى تعود والدتهم من العمل الذي وجدته بعد عناء.
ومع
مرور الأيام، بات الأولاد جزءًا من حياة الجيران، وكأنهم إخوةٌ بالفعل، حتى أنّ
الناس كانوا يستغربون حين يعلمون أنّهم مجرد جيران وليسوا من العائلة ذاتها. كانت
الجارة تخيط لهم الملابس كما تفعل لبناتها، وتؤمّن لهم كلّ ما تستطيع.
وذات
يوم، دخلت الطفلة الصغرى باكيةً إلى منزل جارتها، طالبةً منها أن تخفيها حتى لا
يراها والدها الذي عاد فجأةً بعد غياب سبع سنوات. لم تره من قبل سوى في صورةٍ
قديمة، وكانت تخشاه دون أن تفهم السبب. غير أنّ الجارة وزوجها هدّآ من روعها،
وأقنعاها بأنّ عليها مواجهة الواقع، فهو والدها في النهاية.
وعندما
رفضت الزوجة استقبال زوجها، تعرّضت لضغطٍ شديدٍ من أهلها، لا سيّما زوجة أبيها،
التي أجبرتها على السماح له بالعودة إلى البيت. ومع أنّ الأطفال لم يتقبّلوا
وجوده، استطاعت الجارة وزوجها إعادة الأمور إلى طبيعتها شيئًا فشيئًا.
رحل
الأب مجدّدًا إلى الخليج، لكن هذه المرّة بدأ يرسل لهم بعض المال، مما جعل الأولاد
يتقبّلون فكرة وجوده، ولو بتردّد. وفي تلك الأثناء، قرّرت الجارة وزوجها الانتقال
إلى منزلٍ جديدٍ، وهو ما شكّل صدمةً للأطفال الذين اعتبروهما بمثابة أهلهم
الحقيقيين.
كان
يوم الرحيل مشحونًا بالبكاء والحنين، لكن الجارة أكّدت لهم أنّ بيتها سيبقى
مفتوحًا لهم دائمًا. وبالفعل، ظلّ الأولاد يلجؤون إليها وزوجها في كلّ صغيرةٍ
وكبيرة، رغم وجود أهلهم الحقيقيين من حولهم. وفي النهاية، كان وجود الجارة وزوجها
تعويضًا عن قسوة الزمن، وملاذًا آمنًا لهذه الأسرة التي عانت كثيرًا.
طرابلس
في 8/7/2008
غسان
رزق العلي

رائع
ردحذفشكرا على التواجد معنا
حذفبرافو كتير حلوة
ردحذفشكرا جزيلا
حذفغير محببة
ردحذفلك رأيك واحترمه
حذف