الأربعاء، 17 يونيو 2026

الجنرال الأبيض

 



الجنرال الأبيض

هذه القصة أنا بطلها، غسان رزق العلي، وحدثت معي في أحد أيام الثلج في صافيتا.

أيقظني أبي من النوم، وكان الثلج قد نثر غطاءه الأبيض على كل صافيتا، ومنها الحارة الشرقية، وداخل بيتنا كنت نائمًا، أستمتع بدفء اللحاف الصوفي الذي يغلفني، غير واعٍ بما يجري في الخارج.

لكن صوت أبي أيقظني قائلاً: طفل نايم ومش عارف برا شو عم يصير، مغلغل تحت لحاف من الصوف مشان ما يحس بالبرد، والدفا ما يغادر الفرشة لي الها عليه جميل. قوموا يا ولاد، شوفوا الجنرال الأبيض، معبّي الدنيا بلحاف أبيض من هون لعند البرج، والصبح متل الختيار.

استيقظ الطفل من نومه العميق، ونسي دفء اللحاف، ونطّ من سريره دون أن ينتبه إلى أنه حافي القدمين، وخرج مسرعًا إلى الطريق ليرى الجنرال الأبيض الذي أيقظه باكرًا.

كانت الدنيا مليئة بالثلج الأبيض الذي أذهل العيون، ومشهدًا محبوبًا من الكبار والصغار، حيث كانوا يلعبون به ويتراشقون كراته، ولكن بعد فترة وجيزة، تعب الطفل من هذا البياض، وبدأ الثلج يُبرد قلبه الصغير.

ومن شدة انبهاره بهذا اللون، ركض بلا أن يدرك أنه حافي القدمين، دون أي شيء يحميه من قسوة البرد، لكن بعد الركض والقفز، جاء وقت الصريخ من الألم الذي اجتاح جسده الغضّ والصغير، فركض إلى حضن أمه وارتمى فيه، وهو يسألها بحيرة: ليش هيك عم يصير، ليش عم أرجف.

فأجابته أمه بحنان: تقبرني يا إمي، هيدا التلج هو السبب، وانت من سرعتك ما استوعبت تلبس بأجرك.

مدّت يديها لتلامس قدميه الباردتين، وبدأت تفركهما، ثم وضعتهما على صدرها، حتى تتغلغل الدفء في جسده المرتجف.

ثم سألها الطفل ببراءة: ليش كل الدنيا بيضا، وحتى البرج أبيض يا إمي.

ابتسمت أمه وأجابته: الله بيحب الضيعة، مشان هيك رشها بلون أبيض، علامة إنه رضيان عليها.

هدأ الطفل وقبل بما سمعه، وكان وقع هذه الكلمات عليه كالنقش في الصخر، وترسخت في داخله.

ومنذ ذلك اليوم، كلما رأى الثلج قال: الله راضي على هذا المكان.

حتى كبر واكتشف لاحقًا أن الثلج مجرد عامل طبيعي، لكنه ظل يحلم أن يكون في تلك الضيعة عندما تثلج الدنيا، لكن، ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.

طرابلس في 16\11\2008

غسان رزق العلي

الجمعة، 5 يونيو 2026

عودة الضائع

 



عودة الضائع

 

أنا غسان رزق العلي بطل هذه القصة.

هل يُعقل أن يستعيد المرء شيئًا فقده منذ زمنٍ بعيد، علمًا أنّ ذلك الشيء ليس ماديًا، بل معنوي.

 ذلك الطفل الذي فقد طفولته في مكانٍ ما، ثم طواها النسيان والبعد، فابتعدت عنه شيئًا فشيئًا، دون أن يتمكّن من استعادتها. لقد انساق في الحياة التي أُجبر على خوضها وهو طري العود، فعمل ليلًا ونهارًا، وتنقّل من وظيفةٍ إلى أخرى، ومن محنةٍ إلى محنة، وكان الموت يتربّص به في أيّ مكانٍ يقصده. غير أنّ العناية الإلهية حفظته، وحمته من شتى المحن، رغم بعض الجراح التي لا تندمل أبدًا.

ومع كلّ ذلك، أصبح رجلًا مثل سائر الرجال، الذين بنوا عائلاتهم في مجتمعٍ يتخبّط بالحروب، ويشهد نزاعاتٍ متواصلةً مع كلّ طلوع نهارٍ ومجيء ليل.

 لقد واجه ظروفًا لا يُحسد عليها من أجل بناء أسرته، وكانت هناك بعض الكبوات، لكنه كان يقول: بسيطة، فالكبوة للأصيل، ثم يعود لينطلق من جديد، بثباتٍ قلّ نظيره في هذا المجتمع المادي، الذي فرضته الحروب المتتالية في البلد الذي يعيش فيه.

كان الجميع يتنازعون، ولا أحد يعرف من يقف إلى جانب من، أو من يعادي من، لكنّه في نهاية كلّ يومٍ كان يقول: غدًا يومٌ جديد.

 وهكذا، انقضت ثلاث عقودٍ ونصف، حتى استطاع هذا الرجل، بفضل التكنولوجيا، أن يلتقي بمن فقدهم في الماضي، ويعود إلى حيث ينتمي طفوليًا بينهم، رغم البعد الزمني والجغرافي.

بفضل المثابرة والجهد الذي بذله مع أولاده، الذين ساعدوه في الوصول إلى هذا العالم المفقود قسرًا، عادت الحياة إلى مسارها الطبيعي بالنسبة إليه. وقد تحقق ذلك عبر موقعٍ إلكترونيٍّ يُدعى صفتلي، الذي أعاد إليه ذكريات الطفولة ولو عبر الذاكرة. كما كان هناك أشخاصٌ آخرون في الجانب الآخر، قد ساعدوه أيضًا على العودة إلى ماضٍ لطالما اشتاق إليه.

كاد أن يفقد الأمل في فترةٍ ما، غير أنّه عاد إليه حين ظهر أمامه موقع صفتلي على الإنترنت، فكان ذلك بمثابة بوابةٍ لاستعادة ما افتقده. فالشكر الجزيل لموقع "صفتلي" والقائمين عليه.

طرابلس في 19/7/2008

غسان رزق العلي

الجمعة، 15 مايو 2026

لبوة من الحارة

 


هذه قصة من قصص أمي الله يرحمها

والقصة تجري احداثها بمدينة صافيتا سورية

لبوة من الحارة

هذه المرأة الاستثنائية التي جمعت بين القوة والحنان، بين العنف والعطاء.

إنها قصة امرأة من الحارة، لبوة كاسرة حين يتعلق الأمر بأبنائها، وامرأة حنونة ومعطاءة حين يكون الأمر بيدها. كانت تحكم بيتها بقلبٍ من ذهب، وسلوكٍ من حديد، لا تخشى أحدًا، ولا ترضى الضيم لأحد من أبنائها.

حين كانت تشوي الكبة على الطريق، لا تسمح لأحد أن يمر من دون أن يأخذ قرصًا، حتى لو تطلب الأمر أن تلحق به حتى درج الحارة، وتدعوه بأسماء الجميع كي يقبل.

وحين كانت تنزل إلى بيروت، كانت تجلب معها أشياء غير متوفرة في الضيعة، ومن يطلب منها شيئًا، إن كان على مزاجها، يأخذه بكل ممنونية، وإن لم يكن كذلك، فلا شيء له.

لكنها كانت كريمة إلى أقصى الحدود، لا يعرف البخل مكانًا في قلبها أو بيتها.

امرأة لا تخشى العمل، وتعيش كما الرجال

هذه المرأة لم تكن مثل باقي نساء الحارة، بل كانت، اخت الرجال بحق، تعمل أعمال الرجال في كل المواسم، ولا تقبل أن تكون أقل منهم في شيء.

في موسم الزيتون، كانت تعمل بجدّ، تعفر الزيتون من الصباح حتى المساء، وكان من النادر أن تعمل عند أحد، لأنها لا تتحمل أحدًا. كنا نذهب لملاقاتها في أماكن بعيدة عن البيت، بعد عودتنا من المدرسة، ثم نعود في الليل، وكيس الزيتون على رؤوسنا، ونسحب غصن زيتون انكسر من جرّاء العاصفة في الليلة الفائتة.

أتذكر مرة جررت غصن زيتون من عين بحنيتي حتى البيت، ومرة أخرى من كرم الشيخ، هذه الأراضي معروفة جيدًا لدى أهل صافيتا.

أما مواسم السليق والبزاق والزعتر، فكان الحديث عنها لا ينتهي، ففي الصيف كانت تقوم بصنع البرغل، وتدبيس الحصرم، والرمان والبندورة، وكل المؤونة، ومحسوبكن كانت له حصة الأسد فيها.

كان عنادها شيئًا لا يُقاوم، وما زلت أتذكر الحادثة التي جمعت بين عنادها وعناد أخي جمال.

في أرض دنيال، كان الاتفاق أن أنطر أنا قبل الظهر، وجمال بعد الظهر، لكن جمال كان يزعبر عليّ دائمًا، ولا يأتي في الوقت المحدد، بل على كيفه.

وحين كنت أشتكيه لوالدتي، كان يحلف ويتحلف أنني الكاذب.

في أحد الأيام، أتت أمي إلى أرض دنيال، وجمال لم يأتِ سوى بعد فترة طويلة جدًا، فهرعت صوبه بدها تكمشه لتضربه، لكنه ركض أمامها صوب الوادي، وهي تركض وراءه حتى الشيحانة.

وهناك، تمكنت من رميه بحجر أصاب ظهره، فسقط أرضًا من شدة الضربة، فقالت له بحدة: مُت يا ابن كذا وكذا.

ثم تركته هناك، وعادت إليّ وهي تلهث من التعب.

قلت لها، مذهولًا: يعني تركتيه واقع على الأرض وجيتي.

ردت ببساطة: أي.

انشغل بالي عليه، وقررت الذهاب إليه، وإذ به يصل وهو يضحك.

حين رأته أمي، عادت إليها روحها، وشعرت بالراحة أنه بخير.

كانت والدتي امرأة استثنائية، ومع نزولها إلى بيروت، ساهمت دون أن تدري في انتشار المجلات المصورة، مثل مجلة ريما، فوتو ريما، سوبرمان، وغيرها.

حتى أنها فتحت دكان في الحارة، مكان المطبخ الذي كان تحت الدرج، وكانت تجلب الأغراض من لبنان، ونحن كنا نبيع، لكن نأكل أكثر مما نبيع، لذلك، أغلقته بعد فترة قصيرة.

ورغم كل قسوتها وصلابتها، كانت حنونة إلى درجة لا تُوصف، وزعلها من أي شخص كان ينتهي في اليوم الثاني.

لكن ما كان يلفتني، أنها لو سبّت أحدًا، كان يبقى يضحك.

كانت تسبّ الكل/ الكبير والصغير، وحتى المقمّط بالسرير.

وهذا كان سببًا في مقاطعتي لها في آخر أيام حياتها، وماتت وأنا زعلان منها.

لكنها لم تسلم الروح، حتى شاهدتني، وشدّت على يدي، ثم نامت، ولم تستيقظ بعدها. كم أنا حزين على ذلك، رغم مكابرتي وعنادي الذي ورثته منها. وهذا الحزن ينهش جسدي، ولا أرى له علاجًا.

رحمكِ الله يا أمي، يا أم جمال، يا امرأة لا امرأة تشبهكِ، من بين نساء العالم، بعنفكِ وقساوتكِ، وحنانكِ وعطفكِ.

إنها عفيفة أسبر الياس، بنت الحارة!

طرابلس – 22/5/2008

غسان رزق العلي


الجنرال الأبيض

  الجنرال الأبيض هذه القصة أنا بطلها، غسان رزق العلي، وحدثت معي في أحد أيام الثلج في صافيتا. أيقظني أبي من النوم، وكان الثلج قد نثر غطاء...