السبت، 28 مارس 2026

حديقة أزهار أبو الياس

 

الأنسان حين يصبح يملك حديقة يغنج ازهارها وكأنهم اولاد له 



 

حديقة أزهار أبو الياس

في قرية صغيرة على هضبة خضراء، عاش رجل مسن يُدعى أبو الياس.

كان يخبئ خلف منزله حديقة سرية، أشبه بكنزٍ مخفي، تتفتح فيها الزهور بألوانها البهيجة وتتناثر النباتات الخضراء كأنها نسيج من السحر.

 لم يعرف بهذا الفردوس إلا قلّة قليلة، فقد كان أبو الياس حريصًا على أن تبقى حديقته عالمًا خاصًا به وحده.

أبو الياس رجل متأمل، يعشق السكينة ويجد في الهدوء ملاذًا. كان حبه العميق للزهور يجعلها أقرب إليه من البشر، حتى صار يخاطبها كما لو كانت أصدقاءه المقرّبين.

كل صباح، ينهض مبكرًا، يحمل وعاءً صغيرًا فيه ماء، ويسير بين أزهاره برفق، يرويها بيدٍ حانية، ويحييها بابتسامة مشرقة، صباح الخير يا أصدقائي، هل استمتعتم بليلة هادئة.

لكل زهرة في عالمه اسم خاص، يطلق عليها ألقابًا غريبة وجميلة، زهرة الأحلام، وردة السكون، سيدة الهدوء.

 وكان حين يسقيها يهمس لها بالنصائح، يشجعها على النمو، ويثني على جمالها، أنتِ اليوم أجمل من الأمس يا فاتنة الألوان، تذكّري أن تفرحي وتضيئي هذا العالم بجمالك الفريد.

كانت حديقته أكثر من مجرد أرض تُزرع فيها الزهور؛ كانت مسرحًا لحواراته الداخلية، وملاذًا يسكب فيه حنانه وحكمته. هناك، بين أوراقها وألوانها، كان يعيش في عالم من السحر والجمال، حيث كل يوم فصل جديد في قصةٍ ينسجها الزمن بين طيات ذاكرته العتيقة.

 

طرابلس في – 28 / 1 / 2024

غسان رزق العلي

 


الجمعة، 27 مارس 2026

غير مرتاح

 

 حين يكون الأنسان بحالة غير مستقرا فكريا وعاطفيا يشعر بأنه غير مرتاح في أي مكان يقصده



غير مرتاح

في أحد الأيام، عاد إلى البيت دون سابق إنذار، وهو يعلم أن زوجته ليست فيه، فقد سافرت مع حماتها إلى قريتها قبل مغادرته إلى عمله، وكان من المفترض أن يعود بعد ستة أيام من سفرها. وحين دخل المنزل، وجده فارغًا، باردًا، يخلو من الحياة، إذ لم يكن لهما أطفال بعد، ولم يستطع الجلوس وحيدًا في هذا المكان الصامت، الخالي من إشراقة زوجته التي تمثل سعادته ونهاءه.

فكر في الذهاب إلى الأصحاب والأصدقاء، لكنه حين جلس بينهم، لم يشعر بأي انسجام معهم، وكأن الدنيا خالية تمامًا من أي إحساس. فقرر العودة إلى البيت، إلا أنه في طريق عودته التقى بأحد رفاقه القدامى من السلك العسكري، ذلك الرفيق الذي طالما دعاه لزيارة قريته، لكنه لم يستجب له في أي مرة. أما اليوم، فقد قرر أن يذهب معه. فقال له: "لطالما طلبت مني الصعود إلى قريتك، واليوم أنا جاهز، ما رأيك؟" فطار رفيقه من الفرح، وقال بحماس: "هيا بنا!"

صعدا إلى القرية، وحين وصلا إلى بيت الرفيق كانت الساعة الثالثة بعد الظهر، فجلسا في المنزل، لكن الرجل لم يكن في مزاج مريح. وبعد أن شرب القهوة، قال لرفيقه: "أريد العودة إلى البيت." حاول رفيقه إقناعه بالبقاء، لكنه فشل في ذلك، فقال له الرجل: "إن كنت تريدني مرتاحًا، فاتركني أعود إلى المنزل." فما كان من رفيقه إلا أن استجاب لرغبته، وأوصله في اول سيارة إلى المدينة التي يسكن فيها هذا الرجل المضطرب.

عاد إلى المنزل، لكنه ظل غير مرتاح، ولم يجد أي شيء يهدّئ من اضطرابه، واستمر على هذه الحال حتى عودة زوجته ووالدته من السفر، ففوجئتا بوجوده في البيت. كان قد قضى ليلتين من أصعب ليالي حياته، ومع ذلك، كان عليه أن يستعد للعودة إلى عمله. ولكن، بمجرد أن وقعت عيناه على زوجته، عادت إليه روحه وضحكته، وأصبح إنسانًا آخر.

فهل من الممكن أن يشعر أي رجل بما شعر به هذا الرجل؟ أم أنه حالة استثنائية لا تشبه الآخرين؟ وهل يمكن أن يختبر شخص آخر سواء كان متزوجًا أو أعزب حالة مماثلة؟ وإن كان عازبًا، فماذا يمكن أن يحصل له؟

طرابلس، في 15/9/2008

غسان رزق العلي

الخميس، 26 مارس 2026

تربى على يد عمه

 

حين يلعب الكبار بمصير الصغار



تربى على يد عمه

وصلت إلى منزل والدتها وهي تحمل طفلها، الذي لم يتجاوز عمره الأشهر الأولى، وأقامت مع والدتها بعد طلاقها من زوجها، الذي لم يكن ينتمي إلى دينها. لكنها أجبرته على اعتناق دينها، فحصلت على ما أرادت. غير أن الأمور لم تستمر كما تمنّت، إذ اكتشفت بعد فترة من الزمن أنه على علاقة بإحدى صديقاتها، فاستشاطت غضبًا، وكانت هذه الحادثة سببًا في تركها له.

كانت والدتها تقيم في مدينة بعيدة عن المكان الذي كانت تعيش فيه مع زوجها، وظل الفراق بينهما حتى بلغ الطفل مرحلة الشباب، لكنه لم يكن يعرف والده جيدًا، بل كان يعتبر عمه، زوج والدته، والده الحقيقي. كان هذا العم متزوجًا ولديه أولاد من زواجه الأول، لكنه أحب الطفل كثيرًا وربّاه كابنه، حتى أصبح يناديه بـ "بابا"، كما كان يتحمّل عنه مصاريف التعليم والملبس والطعام، بمساعدة والدته التي كانت تعمل جاهدة مع زوجها ليلاً ونهارًا، لتأمين حياة رغيدة لابنها الوحيد، الذي كان محور حياتها كلها.

كان الابن بالنسبة لها الأب والصديق والابن، وكانت تخشى عليه من أي أذى، ولم تكن تبخل عليه بشيء يستطيع أن يسعده. أما الأب الحقيقي، فلم يكن له أي دور في حياته، لا في عيد ولا في غيره، ولم يكن يعلم عنه شيئًا. المفارقة في القصة أن الشاب كان وحيدًا، ووالده كان وحيدًا، وأمه كذلك كانت وحيدة، لكنه عوّض هذا النقص من خلال قضاء الوقت مع أبناء عمه، زوج والدته، حيث كان يرافقهم إلى أماكن الترفيه وكأنه أحد إخوتهم، وكانت حياته تشبه حياتهم، وكل شيء كان يسير على ما يرام.

إلى أن جاء اليوم الذي اضطرت فيه الأم للذهاب إلى المدينة التي تنتمي إليها من حيث النفوس، وذلك من أجل استخراج بطاقة هوية جديدة لها ولابنها الوحيد. وهناك كانت المفاجأة، حيث اكتشفت أن زوجها السابق قد عاد إلى دينه الأصلي، وبما أن ابنه لا يزال تحت السن القانوني، فقد أُدرج تلقائيًا ضمن ديانة والده. عندها أدركوا فداحة الموقف، وأصبحت الأم وابنها في مواجهة واقع جديد.

بدأوا يفكرون في كيفية إبلاغه وإفهامه بأنه ينتمي إلى دين مختلف عن دين والدته وعمه. صُدم الشاب حين علم أنه من دين، ووالدته من دين، وعمه من دين آخر. غير أن الأم بحكمتها وعمه ببساطته، وجدا طريقة ترضي الجميع، حيث اتفقوا على أن يعيش كل فرد وفق معتقداته دون فرض أي شيء على الآخر.

وهكذا بدأ الشاب حياته من جديد بشكل أكثر انطوائية، حيث تجنب مشاركة أحد بمشاكله، ولم يكن يدعو أحدًا من أصدقائه إلى المنزل تجنبًا للإحراج، كما كان يتهرب من الإجابة عن أي سؤال يتعلق بديانته حتى لا يضع نفسه في موقف محرج. لكنه عوّض ذلك بالاجتهاد في الدراسة، فحقق نجاحًا في المدرسة والجامعة، ثم حصل على فرصة عمل في الخليج فور تخرجه، حيث بدأ هناك في بناء مستقبله.

طرابلس، 23/7/2008

غسان رزق العلي


الخميس، 19 مارس 2026

الخلاف مع الأهل

 

الخلاف بين الزوجان يجعل حياة العائلة جحيم



الخلاف مع الأهل

 

نارٌ لا تطفئها الكلمات

تزوّجها هربًا، لا حبًا.

لم يكن أحد من أفراد عائلته يرغب بها، لكن غروره، ذاك الذي جعله يرى نفسه "دونجوان" عصره، أعماه عن الحقيقة: أن واحدة من ألف فتاة قبلت به، إلا هي، التي وصفها لاحقًا بالقبح، حين اشتدّ الخلاف، وتكشّفت الوجوه.

لم يمضِ وقت طويل، حتى وصلت الأمور إلى طلب الطلاق، لكن تدخل الأهل من الطرفين، كان كمن يضع ضمادة على جرحٍ ينزف، دون أن يُعالج السبب.

هو يرى أن المشكلة في أهلها، وهي ترى فيه بخيلًا، أنانيًا، لا يطعم ولا يكسو، وهو يتهمها بالإسراف، كأن المال هو كل ما تبقى من لغة بينهما.

سعى إلى مراجعة مرجعية دينية، لا ليحلّ المشكلة، بل ليُظهر موقفه أمام عمه وزوجته، لكن النتيجة كانت صفرًا، وزاد عنادها، وصارت تشيع بين الناس أنه لا يُطعمها، وأنها تعيش على ما يقدّمه أهلها، وأنها لولاهم، لماتت جوعًا وبردًا.

عائلته بدأت تعارضه، فهم يعرفونه: بخيلٌ حتى معهم، وقحٌ في مثل هذه الأمور، والموقف صار أكثر تعقيدًا.

لم يجد طريقة لإسكاتها، ولا حتى بالطلاق، فظلّت تردد حديثها عن أهلها، حتى طفح الكيل.

وفي ليلةٍ من ليالي الحرب الباردة، اندلعت معركة جديدة، وفقد أعصابه، فانهال عليها ضربًا كالمجنون.

ثم سحبها إلى غرفة النوم، فتح الخزانة، وأفرغها من محتوياتها، يسألها عن مصدر كل قطعة: من جلب هذه؟ "أهلي." فيرميها أرضًا.

"وهذه؟"

ترد "أنت."

فيعيدها إلى مكانها.

وحين انتهى، سكب الكيروسين على الملابس، وأضرم النار، كأنما أراد أن يحرق كل ما يربطها بأهلها، وكل ما يربطه بها.

صرخت، استنجدت بأهله، فجاؤوا لإطفاء الحريق، لكن النيران كانت أسرع، وأتت على كل شيء.

ثم قال لها، بصوتٍ لا يقبل النقاش: من اليوم، لا شيء يدخل هذا البيت من أهلك، وكل ما يجلبونه، سأحرقه.

كان تهديدًا جادًا، وقاطعًا، ولم تعد تذكر أهلها بعدها.

هكذا انتهت العلاقة، بين زوجةٍ رعناء، وزوجٍ مستبد، كلاهما مخطئ، لكن لا أحد يعترف.

والفعل، رغم خطورته، كان في نظره ضروريًا، كمن يظن أن النار تُطفئ الخلاف، ولا يدرك أنها تُشعل ما تبقى من رماد.

طرابلس، 6/8/2008

غسان رزق العلي

الأربعاء، 18 مارس 2026

الطفولة المسروقة

 

حين يترك الطفل في الشارع تسرق طفولته

 


الطفولة المسروقة

اعتدت على رؤيته، يتعلق بكلّ رجلٍ يمرّ بجواره على الرصيف الذي يقف عليه، ويشدّ بثياب الرجل منادياً: "بابا! بابا!"، فينفُر منه الجميع، ولا يعرفون كيف يتخلصون منه ومن صراخه. كان البعض يضربه، بينما يستهجن آخرون هجومه المفاجئ، إذ يهجم بسرعةٍ دون سابق إنذار، فيُدهَش الرجل المستهدف ويعتقد أنّ أحدًا يحاول سرقته أو فعل أمرٍ آخر وفقًا لتقديره الخاصّ.

في بعض الأحيان، كان المشهد يثير ضحكي، وفي أحيانٍ أخرى كنت أشعر بالغضب منه وعليه. لم يكن عمره يتجاوز ستّ سنوات، ومع ذلك كان يفعل ذلك من أجل المال فقط، ما أثار استغرابي؛ إذ كيف له أن يدرك هذه الطريقة بهذه الدقة، التي تفاجئ الناس بقدر ما تحرك مشاعرهم تجاهه، فيمنحونه المال بين الحين والآخر.

لكنّ المشهد الذي رأيت الطفل فيه ذات يومٍ كان مختلفًا تمامًا. كنتُ متجهًا إلى مركز الاتصالات، فرأيته متمسكًا بأحد الرجال ويناديه: "بابا! بابا!"، بينما كانت هناك امرأة ترافق الرجل، فقالت للطفل: "والله ليس لدي علمٌ بأنه يعرف أمك! لقد وصلنا للتوّ من الخارج، ما قصتك؟ ابتعد من هنا، وإلّا استدعيت لك الشرطة!" وكانت الضحكة تملأ وجهها.

تابعتُ طريقي نحو مركز الاتصالات، وحين عُدتُ إلى المكان الذي كان الطفل فيه متشبّثًا بالرجل الغريب، وجدتُهما جالسَين معًا في الحديقة الواقعة وسط الطريق، حيث كان الرجل يلعب مع الطفل على الأرض، يداعبه ويمازحه، ويتشقلبان بين الأعشاب ويضحكان كما لو كانا طفلين. أما المرأة فكانت تنظر إليهما وتبتسم، في حين تجمهر الناس حولهما لمعرفة ما يحدث، ولِمَ يتصرّف الرجل بهذه الطريقة مع الطفل.

تزايد عدد المتجمهرين في المكان، ما استدعى تدخل رجال الدرك، الذين حضروا إلى الموقع وشاهدوا المشهد وبدأوا بالتدخل. وبعد أخذٍ وردّ، طُلب من الرجل الغريب ترك الطفل وشأنه، والذهاب مع المرأة التي كانت بانتظاره. بدا رحيله أشبه بانسحاب مهزومٍ من معركة، وأحسستُ بخيبة أملٍ ظاهرة على وجهه.

علمتُ لاحقًا أنّ هذا الرجل لا يتحدث العربية إطلاقًا، وأنّه زوج المرأة اللبنانية الطرابلسية التي كانت برفقته. أما الطفل، فقد أخذه رجال الدرك إلى مكانٍ لا أعرفه، لكنه عاد بعد أيامٍ إلى عادته القديمة، متشبّثًا بالمارة كما كان دائمًا.

طرابلس في 22/7/2008

غسان رزق العلي


الثلاثاء، 17 مارس 2026

المجنون

 

الهروب من لقب اخترته او لقبت به صعب كتير




المجنون

كان الأذكى بين أقرانه والأكثر قدرة على تحليل الأمور التي يمرون بها جميعاً. فقد تميز بالقدرة الفائقة على القراءة والكتابة، وكان صاحب استراتيجيات محكمة، إذ وضع الخطط لكل شيء أرادوا القيام به. كان القائد المطاع بينهم، لا يُخالف أحدٌ كلمته، وعلى الرغم من صغر سنه الذي لم يتجاوز تسع سنوات، فقد كان على دراية بكل صغيرة وكبيرة.

نشأ في بيئة يملؤها الفقر والعوز، وكان له شأن كبير في الحي الذي عاش فيه. ورغم ذلك، فقد كان مختلفاً في المدرسة عن أقرانه، إذ تفوق عليهم في دراسته، مما عزز مكانته بينهم وجعله صاحب الكلمة العليا.

وذات يوم، قرر الأصدقاء أن يمنح كل واحد منهم اسماً مستعاراً للتمويه، فأطلقوا عليه لقب "المجنون"، لكونه سريع الغضب ولا يقبل العصيان. وكان يقوم بأمور يعجز الآخرون عن تصديقها، مما جعله يحظى باحترامهم جميعاً. وحين كان يطلب شيئاً، كان عليهم تنفيذه دون تردد، وإلا فقد صوابه. ومع مرور الوقت، صار يضرب من يخالف أوامره، واعتزّ كثيراً بلقبه حتى بلغ الثالثة عشرة من عمره، حين بدأ ينفر منه ويسعى جاهداً لنسيانه.

حاول جاهداً التخلص من اللقب، لكنه لم يفلح، فقد اعتاد الناس مناداته به، مما دفعه إلى ترك الحي الذي نشأ فيه وانتقل إلى مكان آخر بعيداً عن ماضيه. وبمرور الوقت، ركز على التعلم والثقافة حتى أصبح أستاذاً.

شاء القدر أن يعود إلى حي قريب من مسقط رأسه للعمل في مدرسة تضم طلاباً من عدة أحياء، منها الحي الذي نشأ فيه. ومع مرور الوقت، تعرّف على طلابه، وأخذوا ينقلون أسماء الأساتذة إلى أهلهم، حتى سمع ذات يوم همساً بين الطلاب يتداولون لقب "المجنون".

ارتجف حين سمع اللقب يتردد من جديد، لكنه تجاهل الأمر ومضى في طريقه دون أن يبدي ردة فعل. غير أن القلق استبدّ به في تلك الليلة، ولم يعرف طعم الراحة. ومع مرور الأشهر، بدأ اللقب يُسمع أكثر وأكثر، وانتشر بين الطلاب في مختلف الصفوف، حتى سمعه ذات يوم يُنادى به مباشرة من أحد التلاميذ، فاستشاط غضباً وصبّ جام غضبه عليه.

أثارت الحادثة استنفار الهيئة التعليمية، التي تدخلت لإبعاده عن التلميذ، ليتضح لاحقاً أن ذلك التلميذ كان ابن أحد أصدقائه القدامى في الحي. وانتهت المسألة بإيقاف التلميذ عن الدراسة لأسبوع، بينما حصل الأستاذ على قرار الطرد من المدرسة.

وهكذا، تحول اللقب الذي أحبّه في طفولته إلى عبء ثقيل لاحقه طوال حياته. فقد أدرك متأخراً أن الألقاب أقوى من أي إنسان، ولا يمكن انتزاعها من بين الناس بالقوة، بل بالتجاهل وعدم الاكتراث بها، حتى تذوي شيئاً فشيئاً. أما اللجوء إلى القوة لإلغائها، فقد يكون حلاً مؤقتاً، لكنه لا يلبث أن ينعكس على صاحبه في لحظة غير محسوبة، لينال بعدها عواقب وخيمة.

طرابلس، 23/8/2008

غسان رزق العلي

الأحد، 15 مارس 2026

الناس لبعضها

 


لما الأهل يخذلون الأولاد يقعون في مشاكل لا تحمد عقباها



الناس لبعضها


في حياةٍ يختلط فيها الألم بالأمل، وجدت هذه المرأة نفسها مضطرةً إلى الزواج من أحد أقربائها، رغم اختلاف ديانته، هروبًا من ظلم زوجة أبيها المتسلطة التي لم تعرف الرحمة يومًا. ومع مرور الأيام، أنجبت ثلاثة أطفال: فتاةً، ثم صبيًا، ثم فتاةً أخرى. غير أنّ الأب تخلّى عنهم، تاركًا الأسرة تواجه مصيرها وحدها، بعدما رحل إلى الخليج للعمل دون أن يسأل عنهم أو يحاول الاطمئنان على أحوالهم.

مرّت السنوات الثماني، وبقيت الأم تواجه قسوة الحياة مع أطفالها، غارقةً في الفقر والمعاناة، رغم وجود أهلها على مقربةٍ منها. ولم يكن ذلك كافيًا، إذ جاء اليوم الذي زارتهم فيه حماتها، فسلبت منهم فراشهم وأغطيتهم، بحجّة أنّ أبناءها الآخرين يحتاجون إليها. كلّ ذلك حدث أمام أهل الزوجة الذين لم يحرّكوا ساكنًا. وحدها جارتهم الطيبة لم تحتمل المشهد، فانتفضت في وجه الحماة، غير أنّ ذلك لم يغيّر الواقع.

وفي مساء ذلك اليوم، عادت الجارة لترى كيف تدبّرت الأسرة أمورها، فوجدتهم بلا فراشٍ ولا غطاءٍ يحمي أطفالهم من البرد. عندها، قررت أن تأخذ الأمر بيدها، فذهبت إلى زوجها وأقنعته بمساعدتهم، رغم تردّده في التدخل في شؤون غيره.

لم يمرّ وقتٌ طويل حتى حملت الجارة معهم الفراش والاغطية، وفرشته للأطفال، وأخذت الأم إلى بيتها، مؤكّدةً لها: "أولادك كأولادي، ولن أتركهم وحدهم." وهكذا، بدأت القصة تأخذ منحًى أكثر دفئًا، إذ تكفّلت الجارة برعاية الأطفال خلال النهار حتى تعود والدتهم من العمل الذي وجدته بعد عناء.

ومع مرور الأيام، بات الأولاد جزءًا من حياة الجيران، وكأنهم إخوةٌ بالفعل، حتى أنّ الناس كانوا يستغربون حين يعلمون أنّهم مجرد جيران وليسوا من العائلة ذاتها. كانت الجارة تخيط لهم الملابس كما تفعل لبناتها، وتؤمّن لهم كلّ ما تستطيع.

وذات يوم، دخلت الطفلة الصغرى باكيةً إلى منزل جارتها، طالبةً منها أن تخفيها حتى لا يراها والدها الذي عاد فجأةً بعد غياب سبع سنوات. لم تره من قبل سوى في صورةٍ قديمة، وكانت تخشاه دون أن تفهم السبب. غير أنّ الجارة وزوجها هدّآ من روعها، وأقنعاها بأنّ عليها مواجهة الواقع، فهو والدها في النهاية.

وعندما رفضت الزوجة استقبال زوجها، تعرّضت لضغطٍ شديدٍ من أهلها، لا سيّما زوجة أبيها، التي أجبرتها على السماح له بالعودة إلى البيت. ومع أنّ الأطفال لم يتقبّلوا وجوده، استطاعت الجارة وزوجها إعادة الأمور إلى طبيعتها شيئًا فشيئًا.

رحل الأب مجدّدًا إلى الخليج، لكن هذه المرّة بدأ يرسل لهم بعض المال، مما جعل الأولاد يتقبّلون فكرة وجوده، ولو بتردّد. وفي تلك الأثناء، قرّرت الجارة وزوجها الانتقال إلى منزلٍ جديدٍ، وهو ما شكّل صدمةً للأطفال الذين اعتبروهما بمثابة أهلهم الحقيقيين.

كان يوم الرحيل مشحونًا بالبكاء والحنين، لكن الجارة أكّدت لهم أنّ بيتها سيبقى مفتوحًا لهم دائمًا. وبالفعل، ظلّ الأولاد يلجؤون إليها وزوجها في كلّ صغيرةٍ وكبيرة، رغم وجود أهلهم الحقيقيين من حولهم. وفي النهاية، كان وجود الجارة وزوجها تعويضًا عن قسوة الزمن، وملاذًا آمنًا لهذه الأسرة التي عانت كثيرًا.

طرابلس في 8/7/2008

غسان رزق العلي


القهوجي المتجول


العمل ليس عيبا انما الحاجة هي العيب 


القهوجي المتجول

كانت الحرب في لبنان سببًا في تغيّر العديد من المهن التي عملت بها، فقد انتقلت من العمل في مصنع السجاد إلى العمل بتركيب الأدوات الصحية التي أحببتها، ولكن ظروف الحرب حالت دون استكمال مسيرتي فيها. ومن أجل "السترة"، كما كانت والدتي تقول، عملت بائعَ قهوة متجولًا (أي بالمصبات).

لم يكن هذا العمل مناسبًا لي، كوني شابًا يافعًا وليس لي أي خبرة في التعامل المباشر مع الناس، إذ كنت معروفًا بانطوائي، إلا أن هذه التجربة كانت جميلة جدًا.

في بداية الأمر، كان حمل المصبات أمرًا مربكًا يتطلب الصبر وسعة البال. لذا بدأت النزول مع زوج والدتي، الذي كان يعمل في بيع القهوة قبلي، فتعلمت منه كيفية صبّ القهوة في الفنجان، وتنظيفه، وطريقة حمل المصبات، التي تحتاج إلى تحمل سخونة مقابضها بحملها بإصبعيْن اثنين. في كل يد مصبّ، وفي اليد اليسرى يُحمل إبريق الماء، وفي اليمنى فنجانان معدنيان يُستخدمان للقرقعة مع نغمات يتعلمها البائع مع الوقت. بالإضافة إلى المصبات، هناك سطلان؛ أحدهما للفناجين والآخر للفحم، إلى جانب الإبريق. ولحفظ المال، يحمل القهوجي على خصره ما يسمى بـ "الشطيح"، وهو قطعة قماش سميكة ذات جيبين؛ أحدهما للنقود المعدنية والآخر للأوراق النقدية.

بعد عدة نزلات متتالية، تمكنت من إتقان الدروس التي تعلمتها من عمي، وجاء يوم العمل بمفردي والتعامل مباشرة مع الناس.

في أول يوم، كان التردد سيد الموقف، لكنني توكلت على الله ونزلت إلى الشارع. كان لزامًا عليّ إيجاد خط سير خاص بي دون تعارض مع زبائن عمي، وبدأت العمل على إيجاد زبائن خاصين بي، ونجحت في ذلك خلال فترة قصيرة. مما حفزني على الاستمرار في هذا العمل لمدة عامين متتاليين، وهي من أجمل الفترات في حياتي، فقد كانت سببًا رئيسيًا في تعرفي على رفاقي بدايةً، ثم أصدقائي لاحقًا.

من خلال هذا العمل والتعامل مع الناس، اكتشفت جوانب شخصيتي التي لم أكن أعرفها لولا بيع القهوة. كنت أظن أنني شخص هادئ، لكن بعد الاحتكاك بالبشر، وجدت نفسي غير قادر على تحمل بعض العقول والمزاجيات، مما أدى أحيانًا إلى تصادم مع البعض وقطع العلاقات معهم نهائيًا. فأصبحت أبيع لمن أريد، ولا أبيع لمن لا يعجبني تصرفه.

ومن بين المواقف، كان هناك رجل يعمل سكافًا ويريد شرب القهوة لكنه يدفع بالطريقة التي تناسبه. فكان عندما أعطيه الفنجان، يطلب مني الذهاب، ثم يعود ويدفع عند استرداد الفنجان. لكن حين يصل عدد الفناجين إلى ثلاثة، يدفع لي ربع ليرة أي خمس فرنكات، دون دفع الفرنك الباقي. تكرر الأمر حتى نفد صبري، ولم أعد أبيعه. حتى أرسل ابنه الأكبر، وهو يصرخ متسائلًا لماذا لا أبيع لوالده. أخبرته بأن والده لم يدفع مستحقاتي كاملة، فكان لي في ذمته 15 فرنكًا. وحين يدفعها، أقدم له القهوة، لكنه لم يدفع، ولم أعد أبيعه رغم تدخل البعض للصلح، لكن الحق يبقى حقًا.

وفي المقابل، كان هناك شخص ذو روح طيبة ومرحة، كنت أقدم له القهوة مجانًا (رحمه الله). وفي أحد الأيام، جاءني أحد الأصدقاء وطلب مني تقديم القهوة في ذكرى أربعين قائد في الكشاف، فلبّيت الطلب، وكان ذلك اليوم سبب انضمامي إلى الكشاف، والتعرف إلى الحياة الكشفية والتعلق بها حتى اليوم.

طرابلس، 1/7/2008

غسان رزق العلي

 

الجنرال الأبيض

  الجنرال الأبيض هذه القصة أنا بطلها، غسان رزق العلي، وحدثت معي في أحد أيام الثلج في صافيتا. أيقظني أبي من النوم، وكان الثلج قد نثر غطاء...