الثلاثاء، 17 مارس 2026

المجنون

 

الهروب من لقب اخترته او لقبت به صعب كتير




المجنون

كان الأذكى بين أقرانه والأكثر قدرة على تحليل الأمور التي يمرون بها جميعاً. فقد تميز بالقدرة الفائقة على القراءة والكتابة، وكان صاحب استراتيجيات محكمة، إذ وضع الخطط لكل شيء أرادوا القيام به. كان القائد المطاع بينهم، لا يُخالف أحدٌ كلمته، وعلى الرغم من صغر سنه الذي لم يتجاوز تسع سنوات، فقد كان على دراية بكل صغيرة وكبيرة.

نشأ في بيئة يملؤها الفقر والعوز، وكان له شأن كبير في الحي الذي عاش فيه. ورغم ذلك، فقد كان مختلفاً في المدرسة عن أقرانه، إذ تفوق عليهم في دراسته، مما عزز مكانته بينهم وجعله صاحب الكلمة العليا.

وذات يوم، قرر الأصدقاء أن يمنح كل واحد منهم اسماً مستعاراً للتمويه، فأطلقوا عليه لقب "المجنون"، لكونه سريع الغضب ولا يقبل العصيان. وكان يقوم بأمور يعجز الآخرون عن تصديقها، مما جعله يحظى باحترامهم جميعاً. وحين كان يطلب شيئاً، كان عليهم تنفيذه دون تردد، وإلا فقد صوابه. ومع مرور الوقت، صار يضرب من يخالف أوامره، واعتزّ كثيراً بلقبه حتى بلغ الثالثة عشرة من عمره، حين بدأ ينفر منه ويسعى جاهداً لنسيانه.

حاول جاهداً التخلص من اللقب، لكنه لم يفلح، فقد اعتاد الناس مناداته به، مما دفعه إلى ترك الحي الذي نشأ فيه وانتقل إلى مكان آخر بعيداً عن ماضيه. وبمرور الوقت، ركز على التعلم والثقافة حتى أصبح أستاذاً.

شاء القدر أن يعود إلى حي قريب من مسقط رأسه للعمل في مدرسة تضم طلاباً من عدة أحياء، منها الحي الذي نشأ فيه. ومع مرور الوقت، تعرّف على طلابه، وأخذوا ينقلون أسماء الأساتذة إلى أهلهم، حتى سمع ذات يوم همساً بين الطلاب يتداولون لقب "المجنون".

ارتجف حين سمع اللقب يتردد من جديد، لكنه تجاهل الأمر ومضى في طريقه دون أن يبدي ردة فعل. غير أن القلق استبدّ به في تلك الليلة، ولم يعرف طعم الراحة. ومع مرور الأشهر، بدأ اللقب يُسمع أكثر وأكثر، وانتشر بين الطلاب في مختلف الصفوف، حتى سمعه ذات يوم يُنادى به مباشرة من أحد التلاميذ، فاستشاط غضباً وصبّ جام غضبه عليه.

أثارت الحادثة استنفار الهيئة التعليمية، التي تدخلت لإبعاده عن التلميذ، ليتضح لاحقاً أن ذلك التلميذ كان ابن أحد أصدقائه القدامى في الحي. وانتهت المسألة بإيقاف التلميذ عن الدراسة لأسبوع، بينما حصل الأستاذ على قرار الطرد من المدرسة.

وهكذا، تحول اللقب الذي أحبّه في طفولته إلى عبء ثقيل لاحقه طوال حياته. فقد أدرك متأخراً أن الألقاب أقوى من أي إنسان، ولا يمكن انتزاعها من بين الناس بالقوة، بل بالتجاهل وعدم الاكتراث بها، حتى تذوي شيئاً فشيئاً. أما اللجوء إلى القوة لإلغائها، فقد يكون حلاً مؤقتاً، لكنه لا يلبث أن ينعكس على صاحبه في لحظة غير محسوبة، لينال بعدها عواقب وخيمة.

طرابلس، 23/8/2008

غسان رزق العلي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجنرال الأبيض

  الجنرال الأبيض هذه القصة أنا بطلها، غسان رزق العلي، وحدثت معي في أحد أيام الثلج في صافيتا. أيقظني أبي من النوم، وكان الثلج قد نثر غطاء...