الخميس، 26 مارس 2026

تربى على يد عمه

 

حين يلعب الكبار بمصير الصغار



تربى على يد عمه

وصلت إلى منزل والدتها وهي تحمل طفلها، الذي لم يتجاوز عمره الأشهر الأولى، وأقامت مع والدتها بعد طلاقها من زوجها، الذي لم يكن ينتمي إلى دينها. لكنها أجبرته على اعتناق دينها، فحصلت على ما أرادت. غير أن الأمور لم تستمر كما تمنّت، إذ اكتشفت بعد فترة من الزمن أنه على علاقة بإحدى صديقاتها، فاستشاطت غضبًا، وكانت هذه الحادثة سببًا في تركها له.

كانت والدتها تقيم في مدينة بعيدة عن المكان الذي كانت تعيش فيه مع زوجها، وظل الفراق بينهما حتى بلغ الطفل مرحلة الشباب، لكنه لم يكن يعرف والده جيدًا، بل كان يعتبر عمه، زوج والدته، والده الحقيقي. كان هذا العم متزوجًا ولديه أولاد من زواجه الأول، لكنه أحب الطفل كثيرًا وربّاه كابنه، حتى أصبح يناديه بـ "بابا"، كما كان يتحمّل عنه مصاريف التعليم والملبس والطعام، بمساعدة والدته التي كانت تعمل جاهدة مع زوجها ليلاً ونهارًا، لتأمين حياة رغيدة لابنها الوحيد، الذي كان محور حياتها كلها.

كان الابن بالنسبة لها الأب والصديق والابن، وكانت تخشى عليه من أي أذى، ولم تكن تبخل عليه بشيء يستطيع أن يسعده. أما الأب الحقيقي، فلم يكن له أي دور في حياته، لا في عيد ولا في غيره، ولم يكن يعلم عنه شيئًا. المفارقة في القصة أن الشاب كان وحيدًا، ووالده كان وحيدًا، وأمه كذلك كانت وحيدة، لكنه عوّض هذا النقص من خلال قضاء الوقت مع أبناء عمه، زوج والدته، حيث كان يرافقهم إلى أماكن الترفيه وكأنه أحد إخوتهم، وكانت حياته تشبه حياتهم، وكل شيء كان يسير على ما يرام.

إلى أن جاء اليوم الذي اضطرت فيه الأم للذهاب إلى المدينة التي تنتمي إليها من حيث النفوس، وذلك من أجل استخراج بطاقة هوية جديدة لها ولابنها الوحيد. وهناك كانت المفاجأة، حيث اكتشفت أن زوجها السابق قد عاد إلى دينه الأصلي، وبما أن ابنه لا يزال تحت السن القانوني، فقد أُدرج تلقائيًا ضمن ديانة والده. عندها أدركوا فداحة الموقف، وأصبحت الأم وابنها في مواجهة واقع جديد.

بدأوا يفكرون في كيفية إبلاغه وإفهامه بأنه ينتمي إلى دين مختلف عن دين والدته وعمه. صُدم الشاب حين علم أنه من دين، ووالدته من دين، وعمه من دين آخر. غير أن الأم بحكمتها وعمه ببساطته، وجدا طريقة ترضي الجميع، حيث اتفقوا على أن يعيش كل فرد وفق معتقداته دون فرض أي شيء على الآخر.

وهكذا بدأ الشاب حياته من جديد بشكل أكثر انطوائية، حيث تجنب مشاركة أحد بمشاكله، ولم يكن يدعو أحدًا من أصدقائه إلى المنزل تجنبًا للإحراج، كما كان يتهرب من الإجابة عن أي سؤال يتعلق بديانته حتى لا يضع نفسه في موقف محرج. لكنه عوّض ذلك بالاجتهاد في الدراسة، فحقق نجاحًا في المدرسة والجامعة، ثم حصل على فرصة عمل في الخليج فور تخرجه، حيث بدأ هناك في بناء مستقبله.

طرابلس، 23/7/2008

غسان رزق العلي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجنرال الأبيض

  الجنرال الأبيض هذه القصة أنا بطلها، غسان رزق العلي، وحدثت معي في أحد أيام الثلج في صافيتا. أيقظني أبي من النوم، وكان الثلج قد نثر غطاء...