الجمعة، 5 يونيو 2026

عودة الضائع

 



عودة الضائع

 

أنا غسان رزق العلي بطل هذه القصة.

هل يُعقل أن يستعيد المرء شيئًا فقده منذ زمنٍ بعيد، علمًا أنّ ذلك الشيء ليس ماديًا، بل معنوي.

 ذلك الطفل الذي فقد طفولته في مكانٍ ما، ثم طواها النسيان والبعد، فابتعدت عنه شيئًا فشيئًا، دون أن يتمكّن من استعادتها. لقد انساق في الحياة التي أُجبر على خوضها وهو طري العود، فعمل ليلًا ونهارًا، وتنقّل من وظيفةٍ إلى أخرى، ومن محنةٍ إلى محنة، وكان الموت يتربّص به في أيّ مكانٍ يقصده. غير أنّ العناية الإلهية حفظته، وحمته من شتى المحن، رغم بعض الجراح التي لا تندمل أبدًا.

ومع كلّ ذلك، أصبح رجلًا مثل سائر الرجال، الذين بنوا عائلاتهم في مجتمعٍ يتخبّط بالحروب، ويشهد نزاعاتٍ متواصلةً مع كلّ طلوع نهارٍ ومجيء ليل.

 لقد واجه ظروفًا لا يُحسد عليها من أجل بناء أسرته، وكانت هناك بعض الكبوات، لكنه كان يقول: بسيطة، فالكبوة للأصيل، ثم يعود لينطلق من جديد، بثباتٍ قلّ نظيره في هذا المجتمع المادي، الذي فرضته الحروب المتتالية في البلد الذي يعيش فيه.

كان الجميع يتنازعون، ولا أحد يعرف من يقف إلى جانب من، أو من يعادي من، لكنّه في نهاية كلّ يومٍ كان يقول: غدًا يومٌ جديد.

 وهكذا، انقضت ثلاث عقودٍ ونصف، حتى استطاع هذا الرجل، بفضل التكنولوجيا، أن يلتقي بمن فقدهم في الماضي، ويعود إلى حيث ينتمي طفوليًا بينهم، رغم البعد الزمني والجغرافي.

بفضل المثابرة والجهد الذي بذله مع أولاده، الذين ساعدوه في الوصول إلى هذا العالم المفقود قسرًا، عادت الحياة إلى مسارها الطبيعي بالنسبة إليه. وقد تحقق ذلك عبر موقعٍ إلكترونيٍّ يُدعى صفتلي، الذي أعاد إليه ذكريات الطفولة ولو عبر الذاكرة. كما كان هناك أشخاصٌ آخرون في الجانب الآخر، قد ساعدوه أيضًا على العودة إلى ماضٍ لطالما اشتاق إليه.

كاد أن يفقد الأمل في فترةٍ ما، غير أنّه عاد إليه حين ظهر أمامه موقع صفتلي على الإنترنت، فكان ذلك بمثابة بوابةٍ لاستعادة ما افتقده. فالشكر الجزيل لموقع "صفتلي" والقائمين عليه.

طرابلس في 19/7/2008

غسان رزق العلي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجنرال الأبيض

  الجنرال الأبيض هذه القصة أنا بطلها، غسان رزق العلي، وحدثت معي في أحد أيام الثلج في صافيتا. أيقظني أبي من النوم، وكان الثلج قد نثر غطاء...