السبت، 28 مارس 2026

حديقة أزهار أبو الياس

 

الأنسان حين يصبح يملك حديقة يغنج ازهارها وكأنهم اولاد له 



 

حديقة أزهار أبو الياس

في قرية صغيرة على هضبة خضراء، عاش رجل مسن يُدعى أبو الياس.

كان يخبئ خلف منزله حديقة سرية، أشبه بكنزٍ مخفي، تتفتح فيها الزهور بألوانها البهيجة وتتناثر النباتات الخضراء كأنها نسيج من السحر.

 لم يعرف بهذا الفردوس إلا قلّة قليلة، فقد كان أبو الياس حريصًا على أن تبقى حديقته عالمًا خاصًا به وحده.

أبو الياس رجل متأمل، يعشق السكينة ويجد في الهدوء ملاذًا. كان حبه العميق للزهور يجعلها أقرب إليه من البشر، حتى صار يخاطبها كما لو كانت أصدقاءه المقرّبين.

كل صباح، ينهض مبكرًا، يحمل وعاءً صغيرًا فيه ماء، ويسير بين أزهاره برفق، يرويها بيدٍ حانية، ويحييها بابتسامة مشرقة، صباح الخير يا أصدقائي، هل استمتعتم بليلة هادئة.

لكل زهرة في عالمه اسم خاص، يطلق عليها ألقابًا غريبة وجميلة، زهرة الأحلام، وردة السكون، سيدة الهدوء.

 وكان حين يسقيها يهمس لها بالنصائح، يشجعها على النمو، ويثني على جمالها، أنتِ اليوم أجمل من الأمس يا فاتنة الألوان، تذكّري أن تفرحي وتضيئي هذا العالم بجمالك الفريد.

كانت حديقته أكثر من مجرد أرض تُزرع فيها الزهور؛ كانت مسرحًا لحواراته الداخلية، وملاذًا يسكب فيه حنانه وحكمته. هناك، بين أوراقها وألوانها، كان يعيش في عالم من السحر والجمال، حيث كل يوم فصل جديد في قصةٍ ينسجها الزمن بين طيات ذاكرته العتيقة.

 

طرابلس في – 28 / 1 / 2024

غسان رزق العلي

 


الجمعة، 27 مارس 2026

غير مرتاح

 

 حين يكون الأنسان بحالة غير مستقرا فكريا وعاطفيا يشعر بأنه غير مرتاح في أي مكان يقصده



غير مرتاح

في أحد الأيام، عاد إلى البيت دون سابق إنذار، وهو يعلم أن زوجته ليست فيه، فقد سافرت مع حماتها إلى قريتها قبل مغادرته إلى عمله، وكان من المفترض أن يعود بعد ستة أيام من سفرها. وحين دخل المنزل، وجده فارغًا، باردًا، يخلو من الحياة، إذ لم يكن لهما أطفال بعد، ولم يستطع الجلوس وحيدًا في هذا المكان الصامت، الخالي من إشراقة زوجته التي تمثل سعادته ونهاءه.

فكر في الذهاب إلى الأصحاب والأصدقاء، لكنه حين جلس بينهم، لم يشعر بأي انسجام معهم، وكأن الدنيا خالية تمامًا من أي إحساس. فقرر العودة إلى البيت، إلا أنه في طريق عودته التقى بأحد رفاقه القدامى من السلك العسكري، ذلك الرفيق الذي طالما دعاه لزيارة قريته، لكنه لم يستجب له في أي مرة. أما اليوم، فقد قرر أن يذهب معه. فقال له: "لطالما طلبت مني الصعود إلى قريتك، واليوم أنا جاهز، ما رأيك؟" فطار رفيقه من الفرح، وقال بحماس: "هيا بنا!"

صعدا إلى القرية، وحين وصلا إلى بيت الرفيق كانت الساعة الثالثة بعد الظهر، فجلسا في المنزل، لكن الرجل لم يكن في مزاج مريح. وبعد أن شرب القهوة، قال لرفيقه: "أريد العودة إلى البيت." حاول رفيقه إقناعه بالبقاء، لكنه فشل في ذلك، فقال له الرجل: "إن كنت تريدني مرتاحًا، فاتركني أعود إلى المنزل." فما كان من رفيقه إلا أن استجاب لرغبته، وأوصله في اول سيارة إلى المدينة التي يسكن فيها هذا الرجل المضطرب.

عاد إلى المنزل، لكنه ظل غير مرتاح، ولم يجد أي شيء يهدّئ من اضطرابه، واستمر على هذه الحال حتى عودة زوجته ووالدته من السفر، ففوجئتا بوجوده في البيت. كان قد قضى ليلتين من أصعب ليالي حياته، ومع ذلك، كان عليه أن يستعد للعودة إلى عمله. ولكن، بمجرد أن وقعت عيناه على زوجته، عادت إليه روحه وضحكته، وأصبح إنسانًا آخر.

فهل من الممكن أن يشعر أي رجل بما شعر به هذا الرجل؟ أم أنه حالة استثنائية لا تشبه الآخرين؟ وهل يمكن أن يختبر شخص آخر سواء كان متزوجًا أو أعزب حالة مماثلة؟ وإن كان عازبًا، فماذا يمكن أن يحصل له؟

طرابلس، في 15/9/2008

غسان رزق العلي

الخميس، 26 مارس 2026

تربى على يد عمه

 

حين يلعب الكبار بمصير الصغار



تربى على يد عمه

وصلت إلى منزل والدتها وهي تحمل طفلها، الذي لم يتجاوز عمره الأشهر الأولى، وأقامت مع والدتها بعد طلاقها من زوجها، الذي لم يكن ينتمي إلى دينها. لكنها أجبرته على اعتناق دينها، فحصلت على ما أرادت. غير أن الأمور لم تستمر كما تمنّت، إذ اكتشفت بعد فترة من الزمن أنه على علاقة بإحدى صديقاتها، فاستشاطت غضبًا، وكانت هذه الحادثة سببًا في تركها له.

كانت والدتها تقيم في مدينة بعيدة عن المكان الذي كانت تعيش فيه مع زوجها، وظل الفراق بينهما حتى بلغ الطفل مرحلة الشباب، لكنه لم يكن يعرف والده جيدًا، بل كان يعتبر عمه، زوج والدته، والده الحقيقي. كان هذا العم متزوجًا ولديه أولاد من زواجه الأول، لكنه أحب الطفل كثيرًا وربّاه كابنه، حتى أصبح يناديه بـ "بابا"، كما كان يتحمّل عنه مصاريف التعليم والملبس والطعام، بمساعدة والدته التي كانت تعمل جاهدة مع زوجها ليلاً ونهارًا، لتأمين حياة رغيدة لابنها الوحيد، الذي كان محور حياتها كلها.

كان الابن بالنسبة لها الأب والصديق والابن، وكانت تخشى عليه من أي أذى، ولم تكن تبخل عليه بشيء يستطيع أن يسعده. أما الأب الحقيقي، فلم يكن له أي دور في حياته، لا في عيد ولا في غيره، ولم يكن يعلم عنه شيئًا. المفارقة في القصة أن الشاب كان وحيدًا، ووالده كان وحيدًا، وأمه كذلك كانت وحيدة، لكنه عوّض هذا النقص من خلال قضاء الوقت مع أبناء عمه، زوج والدته، حيث كان يرافقهم إلى أماكن الترفيه وكأنه أحد إخوتهم، وكانت حياته تشبه حياتهم، وكل شيء كان يسير على ما يرام.

إلى أن جاء اليوم الذي اضطرت فيه الأم للذهاب إلى المدينة التي تنتمي إليها من حيث النفوس، وذلك من أجل استخراج بطاقة هوية جديدة لها ولابنها الوحيد. وهناك كانت المفاجأة، حيث اكتشفت أن زوجها السابق قد عاد إلى دينه الأصلي، وبما أن ابنه لا يزال تحت السن القانوني، فقد أُدرج تلقائيًا ضمن ديانة والده. عندها أدركوا فداحة الموقف، وأصبحت الأم وابنها في مواجهة واقع جديد.

بدأوا يفكرون في كيفية إبلاغه وإفهامه بأنه ينتمي إلى دين مختلف عن دين والدته وعمه. صُدم الشاب حين علم أنه من دين، ووالدته من دين، وعمه من دين آخر. غير أن الأم بحكمتها وعمه ببساطته، وجدا طريقة ترضي الجميع، حيث اتفقوا على أن يعيش كل فرد وفق معتقداته دون فرض أي شيء على الآخر.

وهكذا بدأ الشاب حياته من جديد بشكل أكثر انطوائية، حيث تجنب مشاركة أحد بمشاكله، ولم يكن يدعو أحدًا من أصدقائه إلى المنزل تجنبًا للإحراج، كما كان يتهرب من الإجابة عن أي سؤال يتعلق بديانته حتى لا يضع نفسه في موقف محرج. لكنه عوّض ذلك بالاجتهاد في الدراسة، فحقق نجاحًا في المدرسة والجامعة، ثم حصل على فرصة عمل في الخليج فور تخرجه، حيث بدأ هناك في بناء مستقبله.

طرابلس، 23/7/2008

غسان رزق العلي


الجنرال الأبيض

  الجنرال الأبيض هذه القصة أنا بطلها، غسان رزق العلي، وحدثت معي في أحد أيام الثلج في صافيتا. أيقظني أبي من النوم، وكان الثلج قد نثر غطاء...