الثلاثاء، 21 أبريل 2026

حنين إلى صافيتا

 



حنين إلى صافيتا

عندي حنين إلى الحارة الشرقية، التي لا أملك فيها بيتًا ولا أرضًا ولا حتى محبوبة، إنما فقط ذكريات من طفولتي، التي كانت مثل طفولة كل أولاد الحارة—دراسة ولعب، وعمل في الأرض، ومساعدة أهلنا في بعض الأعمال التي لم تخلُ من بعض الشقاء والعذاب.

لا أعلم لماذا، لكني أعتقد جازمًا أن السبب يعود إلى هجري لتلك الحارة، ولأيامها الحلوة والمرة معًا، حين نزلت إلى بيروت، وسُرقت طفولتي لصالح العمل، ومن ثم اندلاع الحرب في لبنان. لم أدرك كيف كبرت فجأة، وكيف أصبحت رجلًا في لبنان، لدي كل ما أتمناه، لكن في داخلي، تجمّد ذلك الطفل في صافيتا، وكأن الزمن توقف عنده.

حين كنت أغني لأولادي في صغرهم أغنية: في ضيعتنا الحلوة عندي أوضا ودار.

كان الحنين يشدني إلى الحارة في صافيتا، وكان أولادي يغفون، من شدّة شغفي بها وحبّي لها.

لا أدري ما الذي يشدّني إلى هذه الأرض وهذه الحارة؛ هل هو طيبة أهلها؟ أم أولاد الحارة وعجقتهم؟ أم أقاربي، الذين يملؤون صافيتا، بحيث لا يمكنني المرور بأي منطقة في سوريا دون أن أعرّج إليها، ولو لساعات.

غريب هذا الحنين، أنا أحب لبنان كثيرًا، حتى الموت من أجله، وقد تعلمت هذا الحب من صافيتا، حين كنت أنشد في المدرسة النشيد الوطني السوري، وأنشد معه نشيدًا يقول: يا بلادي بحبك شادي صوت الشحرور، بحب السهل والوادي وكل المعمور.

ومن لبنان، أحب مدينتي طرابلس، التي أملك فيها كل شيء، زوجة محبّة، وأولادًا متعلمين ومهذبين، وبيتًا، وأصدقاءً، وأصحابًا، ورفاقًا، وذكريات لا تعدّ ولا تُحصى.

لكن لماذا هذا الحنين إلى الحارة في صافيتا.

حين أدخلنا الإنترنت إلى البيت، وضع أولادي برنامجًا يدعى "Google Earth"، وبدأت أبحث فيه عن المدن، حتى قادني إلى صافيتا، فرأيت الصور الموضوعة هناك، فخالجني ذلك الشعور الذي كنت أحسّه حين أغني /في ضيعتنا الحلوة/.

وهنا وجدت صورة عليها رابط لموقع يدعى "صفتلي"، وسرعان ما دخلت إليه، لكن صعوبة الوصول إليه أزعجتني، رغم أن الحنين ظلّ يشدّني إليه بين الحين والآخر، بالرغم من تعليقات أولادي الساخرة.

وفي أحد أيام شهر أيار، وبالتحديد يوم الثامن منه، عدت إلى الموقع لأجده بحلّته الجديدة، فندهت ابنتي ريتا، مساعدتي ومستشارتي في هذا الشأن، ودخلنا دخول المنتصر على الموقع، والسرور والحبور بادٍ على وجهي، ونفسيتي أصبحت مرحة.

والأجمل من كل ذلك، أنني دخلت إلى موقع فيه الكثير من الأهل والأحباب، وعلى رأس القائمة: الأسمر أبوه هو، ابن خالتي، وطارق، ابن رفيق طفولتي جلال، ونبيل، والست أنانا، ورامي، وديانا المهضومة.

حينها، عرفت لماذا هذا الحنين، إنني أحنّ لطفولتي، التي سُرقت مني في غفلة من الزمن، أو ربما أنا من تركتها عن غير قصد. نعم، نعم، ونعم، طفولتي المسروقة، قد عاد جزء منها لي بواسطة هذا الموقع، الذي أرسل له كل محبتي واحترامي، ولكل من ساهم في وجوده، ولكل المشتركين فيه.

آه، آه، آه يا صافيتا، طفولتي مجمّدة في الحارة، فحافظي عليها، حتى أعود إليكِ، في وقت قريب.

طرابلس – 10/5/2008

غسان رزق العلي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجنرال الأبيض

  الجنرال الأبيض هذه القصة أنا بطلها، غسان رزق العلي، وحدثت معي في أحد أيام الثلج في صافيتا. أيقظني أبي من النوم، وكان الثلج قد نثر غطاء...