حين يترك الطفل في الشارع تسرق طفولته
الطفولة المسروقة
اعتدت
على رؤيته، يتعلق بكلّ رجلٍ يمرّ بجواره على الرصيف الذي يقف عليه، ويشدّ بثياب
الرجل منادياً: "بابا! بابا!"، فينفُر منه الجميع، ولا يعرفون كيف
يتخلصون منه ومن صراخه. كان البعض يضربه، بينما يستهجن آخرون هجومه المفاجئ، إذ
يهجم بسرعةٍ دون سابق إنذار، فيُدهَش الرجل المستهدف ويعتقد أنّ أحدًا يحاول سرقته
أو فعل أمرٍ آخر وفقًا لتقديره الخاصّ.
في
بعض الأحيان، كان المشهد يثير ضحكي، وفي أحيانٍ أخرى كنت أشعر بالغضب منه وعليه.
لم يكن عمره يتجاوز ستّ سنوات، ومع ذلك كان يفعل ذلك من أجل المال فقط، ما أثار
استغرابي؛ إذ كيف له أن يدرك هذه الطريقة بهذه الدقة، التي تفاجئ الناس بقدر ما
تحرك مشاعرهم تجاهه، فيمنحونه المال بين الحين والآخر.
لكنّ
المشهد الذي رأيت الطفل فيه ذات يومٍ كان مختلفًا تمامًا. كنتُ متجهًا إلى مركز
الاتصالات، فرأيته متمسكًا بأحد الرجال ويناديه: "بابا! بابا!"، بينما
كانت هناك امرأة ترافق الرجل، فقالت للطفل: "والله ليس لدي علمٌ بأنه يعرف أمك!
لقد وصلنا للتوّ من الخارج، ما قصتك؟ ابتعد من هنا، وإلّا استدعيت لك
الشرطة!" وكانت الضحكة تملأ وجهها.
تابعتُ
طريقي نحو مركز الاتصالات، وحين عُدتُ إلى المكان الذي كان الطفل فيه متشبّثًا
بالرجل الغريب، وجدتُهما جالسَين معًا في الحديقة الواقعة وسط الطريق، حيث كان
الرجل يلعب مع الطفل على الأرض، يداعبه ويمازحه، ويتشقلبان بين الأعشاب ويضحكان
كما لو كانا طفلين. أما المرأة فكانت تنظر إليهما وتبتسم، في حين تجمهر الناس
حولهما لمعرفة ما يحدث، ولِمَ يتصرّف الرجل بهذه الطريقة مع الطفل.
تزايد
عدد المتجمهرين في المكان، ما استدعى تدخل رجال الدرك، الذين حضروا إلى الموقع
وشاهدوا المشهد وبدأوا بالتدخل. وبعد أخذٍ وردّ، طُلب من الرجل الغريب ترك الطفل
وشأنه، والذهاب مع المرأة التي كانت بانتظاره. بدا رحيله أشبه بانسحاب مهزومٍ من
معركة، وأحسستُ بخيبة أملٍ ظاهرة على وجهه.
علمتُ
لاحقًا أنّ هذا الرجل لا يتحدث العربية إطلاقًا، وأنّه زوج المرأة اللبنانية
الطرابلسية التي كانت برفقته. أما الطفل، فقد أخذه رجال الدرك إلى مكانٍ لا أعرفه،
لكنه عاد بعد أيامٍ إلى عادته القديمة، متشبّثًا بالمارة كما كان دائمًا.
طرابلس
في 22/7/2008
غسان
رزق العلي


مشوقة
ردحذفشكرا على المرور الطيب
ردحذف