الجمعة، 15 مايو 2026

لبوة من الحارة

 


هذه قصة من قصص أمي الله يرحمها

والقصة تجري احداثها بمدينة صافيتا سورية

لبوة من الحارة

هذه المرأة الاستثنائية التي جمعت بين القوة والحنان، بين العنف والعطاء.

إنها قصة امرأة من الحارة، لبوة كاسرة حين يتعلق الأمر بأبنائها، وامرأة حنونة ومعطاءة حين يكون الأمر بيدها. كانت تحكم بيتها بقلبٍ من ذهب، وسلوكٍ من حديد، لا تخشى أحدًا، ولا ترضى الضيم لأحد من أبنائها.

حين كانت تشوي الكبة على الطريق، لا تسمح لأحد أن يمر من دون أن يأخذ قرصًا، حتى لو تطلب الأمر أن تلحق به حتى درج الحارة، وتدعوه بأسماء الجميع كي يقبل.

وحين كانت تنزل إلى بيروت، كانت تجلب معها أشياء غير متوفرة في الضيعة، ومن يطلب منها شيئًا، إن كان على مزاجها، يأخذه بكل ممنونية، وإن لم يكن كذلك، فلا شيء له.

لكنها كانت كريمة إلى أقصى الحدود، لا يعرف البخل مكانًا في قلبها أو بيتها.

امرأة لا تخشى العمل، وتعيش كما الرجال

هذه المرأة لم تكن مثل باقي نساء الحارة، بل كانت، اخت الرجال بحق، تعمل أعمال الرجال في كل المواسم، ولا تقبل أن تكون أقل منهم في شيء.

في موسم الزيتون، كانت تعمل بجدّ، تعفر الزيتون من الصباح حتى المساء، وكان من النادر أن تعمل عند أحد، لأنها لا تتحمل أحدًا. كنا نذهب لملاقاتها في أماكن بعيدة عن البيت، بعد عودتنا من المدرسة، ثم نعود في الليل، وكيس الزيتون على رؤوسنا، ونسحب غصن زيتون انكسر من جرّاء العاصفة في الليلة الفائتة.

أتذكر مرة جررت غصن زيتون من عين بحنيتي حتى البيت، ومرة أخرى من كرم الشيخ، هذه الأراضي معروفة جيدًا لدى أهل صافيتا.

أما مواسم السليق والبزاق والزعتر، فكان الحديث عنها لا ينتهي، ففي الصيف كانت تقوم بصنع البرغل، وتدبيس الحصرم، والرمان والبندورة، وكل المؤونة، ومحسوبكن كانت له حصة الأسد فيها.

كان عنادها شيئًا لا يُقاوم، وما زلت أتذكر الحادثة التي جمعت بين عنادها وعناد أخي جمال.

في أرض دنيال، كان الاتفاق أن أنطر أنا قبل الظهر، وجمال بعد الظهر، لكن جمال كان يزعبر عليّ دائمًا، ولا يأتي في الوقت المحدد، بل على كيفه.

وحين كنت أشتكيه لوالدتي، كان يحلف ويتحلف أنني الكاذب.

في أحد الأيام، أتت أمي إلى أرض دنيال، وجمال لم يأتِ سوى بعد فترة طويلة جدًا، فهرعت صوبه بدها تكمشه لتضربه، لكنه ركض أمامها صوب الوادي، وهي تركض وراءه حتى الشيحانة.

وهناك، تمكنت من رميه بحجر أصاب ظهره، فسقط أرضًا من شدة الضربة، فقالت له بحدة: مُت يا ابن كذا وكذا.

ثم تركته هناك، وعادت إليّ وهي تلهث من التعب.

قلت لها، مذهولًا: يعني تركتيه واقع على الأرض وجيتي.

ردت ببساطة: أي.

انشغل بالي عليه، وقررت الذهاب إليه، وإذ به يصل وهو يضحك.

حين رأته أمي، عادت إليها روحها، وشعرت بالراحة أنه بخير.

كانت والدتي امرأة استثنائية، ومع نزولها إلى بيروت، ساهمت دون أن تدري في انتشار المجلات المصورة، مثل مجلة ريما، فوتو ريما، سوبرمان، وغيرها.

حتى أنها فتحت دكان في الحارة، مكان المطبخ الذي كان تحت الدرج، وكانت تجلب الأغراض من لبنان، ونحن كنا نبيع، لكن نأكل أكثر مما نبيع، لذلك، أغلقته بعد فترة قصيرة.

ورغم كل قسوتها وصلابتها، كانت حنونة إلى درجة لا تُوصف، وزعلها من أي شخص كان ينتهي في اليوم الثاني.

لكن ما كان يلفتني، أنها لو سبّت أحدًا، كان يبقى يضحك.

كانت تسبّ الكل/ الكبير والصغير، وحتى المقمّط بالسرير.

وهذا كان سببًا في مقاطعتي لها في آخر أيام حياتها، وماتت وأنا زعلان منها.

لكنها لم تسلم الروح، حتى شاهدتني، وشدّت على يدي، ثم نامت، ولم تستيقظ بعدها. كم أنا حزين على ذلك، رغم مكابرتي وعنادي الذي ورثته منها. وهذا الحزن ينهش جسدي، ولا أرى له علاجًا.

رحمكِ الله يا أمي، يا أم جمال، يا امرأة لا امرأة تشبهكِ، من بين نساء العالم، بعنفكِ وقساوتكِ، وحنانكِ وعطفكِ.

إنها عفيفة أسبر الياس، بنت الحارة!

طرابلس – 22/5/2008

غسان رزق العلي


السبت، 25 أبريل 2026

هوس بحب صافيتا

 


 


هوس بحب صافيتا

كان شغفي بصافيتا كبيرًا إلى درجة أنني كنت أسأل فورًا أي شخص أعرف أنه من سوريا عن منطقته، وكم كان يخيب أملي عندما لا يكون من نواحي صافيتا.

أذكر أنه في عام 1979، كنت أخدم في بلدة الحدث في بيروت، وبينما كنت في حديث مع أحد العسكريين، ذكر اسم صافيتا، فأنشت أذنيّ مباشرة، وتقدمت منه قائلًا: من تعرف من صافيتا.

فأجاب بأنه يعرف عائلة من بيت لولو، وهنا قفز قلبي في صدري، وقلت له بحماس إنني أعرفهم، فأنا كنت أسكن في نفس الحارة التي يسكنون بها في صافيتا، وأخبرته بأنني أعرف أهلهم وذكرت بعض أفراد العائلة.

حينها، أخبرني بأن ميشو لولو كان يعمل في لبنان، لكنه توفاه الله منذ فترة وجيزة، رحمه الله.

دبّ الحزن في قلبي، لأنني كنت أعرف المرحوم عن قرب، وكنا نلعب سويّة في أيام الطفولة.

في الصيف من نفس العام، صعدنا إلى المتن الأعلى في مهمة أمنية، وانتشرنا هناك، حيث كنا نقوم بدوريات في منطقة عملنا.

كان الناس يرحبون بنا بمحبة وشغف، ويعزموننا على شرب القهوة أو العصير، وأحيانًا على الأكل معهم.

وفي أحد الأيام، وبينما كنا في دورية وتوقفنا عند أحد الأهالي السهرانين، بدأنا نتبادل الأحاديث معهم.

قالوا لنا أنه يوجد بالقرب من المنطقة متحف لرسام مشهور يُدعى قيصر الجميل، وأنه يحتوي على العديد من الرسومات التي لا تُقدر بثمن.

سألتهم إن كنا نستطيع زيارته نهارًا، فرد عليّ أحدهم قائلًا: بدك تشوف حدا من بيت حدو، إذا يسمحون لك أن تدخل.

وهنا، تنبهت أن هذا الاسم مألوف لي، فقلت مستفسرًا: حدو.

فسألني الرجل: إي، بتعرفه.

فقلت مترددًا: يمكن إذا كان من صافيتا.

فردّ فورًا بحماس: نعم، هو من صافيتا.

فقلت له مباشرة: فيني روح شوفهم.

فقال: الآن والدنيا ليل، تعال غدًا في الصباح.

فاتفقنا على أنه سيخبرهم بزيارتي، ثم يرد عليّ الخبر.

في اليوم التالي، وعند الساعة الحادية عشرة صباحًا، وصل الرجل إليّ وهو يضحك، فقلت له باستغراب: خير، شو سبب الضحكة.

فقال مبتسمًا: إنهم بانتظار زيارتك لهم.

سألته: هل أستطيع الذهاب الآن.

فأجاب: طبعًا، نعم.

طلبت الإذن من الضابط المسؤول عني، فسمح لي، ثم ذهبت مع الرجل بسيارته إلى بيت حدو.

عند وصولنا، استقبلوني استقبالًا رائعًا، يملؤه الترحيب والحفاوة، فدخلت بيتهم، وكان بيتًا متواضعًا، والعائلة قريبة جدًا من بعضها، والكل بشوش ومحب، وهذا أراحني كثيرًا.

تعرفت عليهم، وعرفتهم على نفسي، وبدأت أذكر لهم من أعرف من أقربائهم، عن بيت سليمان، بيت حنا، والمرحوم أبو حدو.

تحدثت معهم عن كيف كان في آخر أيامه، وكيف كان يخبرني عن حدو، ويتمنى أن يراه ولو لمرة واحدة، رغم أنه فقد النظر في آخر حياته.

حزنوا لذلك، لكن الفرح غمرهم كونهم تعرفوا عليّ، ودامت معرفتنا قرابة ثلاثة أشهر.

ولكن بعدها، انقطعنا عن بعضنا بسبب الحرب التي كانت تعصف بلبنان.

هل سيبقى هذا الهوس.

وحتى الآن، لا يزال هذا الهوس بي صافيتا يسكنني، ولا أعرف إن كان سيرحل عني يومًا، أو إن كان حبي لها سيبقى خالدًا في داخلي.

طرابلس – 13/6/2008

غسان رزق العلي


الثلاثاء، 21 أبريل 2026

حنين إلى صافيتا

 



حنين إلى صافيتا

عندي حنين إلى الحارة الشرقية، التي لا أملك فيها بيتًا ولا أرضًا ولا حتى محبوبة، إنما فقط ذكريات من طفولتي، التي كانت مثل طفولة كل أولاد الحارة—دراسة ولعب، وعمل في الأرض، ومساعدة أهلنا في بعض الأعمال التي لم تخلُ من بعض الشقاء والعذاب.

لا أعلم لماذا، لكني أعتقد جازمًا أن السبب يعود إلى هجري لتلك الحارة، ولأيامها الحلوة والمرة معًا، حين نزلت إلى بيروت، وسُرقت طفولتي لصالح العمل، ومن ثم اندلاع الحرب في لبنان. لم أدرك كيف كبرت فجأة، وكيف أصبحت رجلًا في لبنان، لدي كل ما أتمناه، لكن في داخلي، تجمّد ذلك الطفل في صافيتا، وكأن الزمن توقف عنده.

حين كنت أغني لأولادي في صغرهم أغنية: في ضيعتنا الحلوة عندي أوضا ودار.

كان الحنين يشدني إلى الحارة في صافيتا، وكان أولادي يغفون، من شدّة شغفي بها وحبّي لها.

لا أدري ما الذي يشدّني إلى هذه الأرض وهذه الحارة؛ هل هو طيبة أهلها؟ أم أولاد الحارة وعجقتهم؟ أم أقاربي، الذين يملؤون صافيتا، بحيث لا يمكنني المرور بأي منطقة في سوريا دون أن أعرّج إليها، ولو لساعات.

غريب هذا الحنين، أنا أحب لبنان كثيرًا، حتى الموت من أجله، وقد تعلمت هذا الحب من صافيتا، حين كنت أنشد في المدرسة النشيد الوطني السوري، وأنشد معه نشيدًا يقول: يا بلادي بحبك شادي صوت الشحرور، بحب السهل والوادي وكل المعمور.

ومن لبنان، أحب مدينتي طرابلس، التي أملك فيها كل شيء، زوجة محبّة، وأولادًا متعلمين ومهذبين، وبيتًا، وأصدقاءً، وأصحابًا، ورفاقًا، وذكريات لا تعدّ ولا تُحصى.

لكن لماذا هذا الحنين إلى الحارة في صافيتا.

حين أدخلنا الإنترنت إلى البيت، وضع أولادي برنامجًا يدعى "Google Earth"، وبدأت أبحث فيه عن المدن، حتى قادني إلى صافيتا، فرأيت الصور الموضوعة هناك، فخالجني ذلك الشعور الذي كنت أحسّه حين أغني /في ضيعتنا الحلوة/.

وهنا وجدت صورة عليها رابط لموقع يدعى "صفتلي"، وسرعان ما دخلت إليه، لكن صعوبة الوصول إليه أزعجتني، رغم أن الحنين ظلّ يشدّني إليه بين الحين والآخر، بالرغم من تعليقات أولادي الساخرة.

وفي أحد أيام شهر أيار، وبالتحديد يوم الثامن منه، عدت إلى الموقع لأجده بحلّته الجديدة، فندهت ابنتي ريتا، مساعدتي ومستشارتي في هذا الشأن، ودخلنا دخول المنتصر على الموقع، والسرور والحبور بادٍ على وجهي، ونفسيتي أصبحت مرحة.

والأجمل من كل ذلك، أنني دخلت إلى موقع فيه الكثير من الأهل والأحباب، وعلى رأس القائمة: الأسمر أبوه هو، ابن خالتي، وطارق، ابن رفيق طفولتي جلال، ونبيل، والست أنانا، ورامي، وديانا المهضومة.

حينها، عرفت لماذا هذا الحنين، إنني أحنّ لطفولتي، التي سُرقت مني في غفلة من الزمن، أو ربما أنا من تركتها عن غير قصد. نعم، نعم، ونعم، طفولتي المسروقة، قد عاد جزء منها لي بواسطة هذا الموقع، الذي أرسل له كل محبتي واحترامي، ولكل من ساهم في وجوده، ولكل المشتركين فيه.

آه، آه، آه يا صافيتا، طفولتي مجمّدة في الحارة، فحافظي عليها، حتى أعود إليكِ، في وقت قريب.

طرابلس – 10/5/2008

غسان رزق العلي

الجنرال الأبيض

  الجنرال الأبيض هذه القصة أنا بطلها، غسان رزق العلي، وحدثت معي في أحد أيام الثلج في صافيتا. أيقظني أبي من النوم، وكان الثلج قد نثر غطاء...