الأحد، 15 مارس 2026

القهوجي المتجول


العمل ليس عيبا انما الحاجة هي العيب 


القهوجي المتجول

كانت الحرب في لبنان سببًا في تغيّر العديد من المهن التي عملت بها، فقد انتقلت من العمل في مصنع السجاد إلى العمل بتركيب الأدوات الصحية التي أحببتها، ولكن ظروف الحرب حالت دون استكمال مسيرتي فيها. ومن أجل "السترة"، كما كانت والدتي تقول، عملت بائعَ قهوة متجولًا (أي بالمصبات).

لم يكن هذا العمل مناسبًا لي، كوني شابًا يافعًا وليس لي أي خبرة في التعامل المباشر مع الناس، إذ كنت معروفًا بانطوائي، إلا أن هذه التجربة كانت جميلة جدًا.

في بداية الأمر، كان حمل المصبات أمرًا مربكًا يتطلب الصبر وسعة البال. لذا بدأت النزول مع زوج والدتي، الذي كان يعمل في بيع القهوة قبلي، فتعلمت منه كيفية صبّ القهوة في الفنجان، وتنظيفه، وطريقة حمل المصبات، التي تحتاج إلى تحمل سخونة مقابضها بحملها بإصبعيْن اثنين. في كل يد مصبّ، وفي اليد اليسرى يُحمل إبريق الماء، وفي اليمنى فنجانان معدنيان يُستخدمان للقرقعة مع نغمات يتعلمها البائع مع الوقت. بالإضافة إلى المصبات، هناك سطلان؛ أحدهما للفناجين والآخر للفحم، إلى جانب الإبريق. ولحفظ المال، يحمل القهوجي على خصره ما يسمى بـ "الشطيح"، وهو قطعة قماش سميكة ذات جيبين؛ أحدهما للنقود المعدنية والآخر للأوراق النقدية.

بعد عدة نزلات متتالية، تمكنت من إتقان الدروس التي تعلمتها من عمي، وجاء يوم العمل بمفردي والتعامل مباشرة مع الناس.

في أول يوم، كان التردد سيد الموقف، لكنني توكلت على الله ونزلت إلى الشارع. كان لزامًا عليّ إيجاد خط سير خاص بي دون تعارض مع زبائن عمي، وبدأت العمل على إيجاد زبائن خاصين بي، ونجحت في ذلك خلال فترة قصيرة. مما حفزني على الاستمرار في هذا العمل لمدة عامين متتاليين، وهي من أجمل الفترات في حياتي، فقد كانت سببًا رئيسيًا في تعرفي على رفاقي بدايةً، ثم أصدقائي لاحقًا.

من خلال هذا العمل والتعامل مع الناس، اكتشفت جوانب شخصيتي التي لم أكن أعرفها لولا بيع القهوة. كنت أظن أنني شخص هادئ، لكن بعد الاحتكاك بالبشر، وجدت نفسي غير قادر على تحمل بعض العقول والمزاجيات، مما أدى أحيانًا إلى تصادم مع البعض وقطع العلاقات معهم نهائيًا. فأصبحت أبيع لمن أريد، ولا أبيع لمن لا يعجبني تصرفه.

ومن بين المواقف، كان هناك رجل يعمل سكافًا ويريد شرب القهوة لكنه يدفع بالطريقة التي تناسبه. فكان عندما أعطيه الفنجان، يطلب مني الذهاب، ثم يعود ويدفع عند استرداد الفنجان. لكن حين يصل عدد الفناجين إلى ثلاثة، يدفع لي ربع ليرة أي خمس فرنكات، دون دفع الفرنك الباقي. تكرر الأمر حتى نفد صبري، ولم أعد أبيعه. حتى أرسل ابنه الأكبر، وهو يصرخ متسائلًا لماذا لا أبيع لوالده. أخبرته بأن والده لم يدفع مستحقاتي كاملة، فكان لي في ذمته 15 فرنكًا. وحين يدفعها، أقدم له القهوة، لكنه لم يدفع، ولم أعد أبيعه رغم تدخل البعض للصلح، لكن الحق يبقى حقًا.

وفي المقابل، كان هناك شخص ذو روح طيبة ومرحة، كنت أقدم له القهوة مجانًا (رحمه الله). وفي أحد الأيام، جاءني أحد الأصدقاء وطلب مني تقديم القهوة في ذكرى أربعين قائد في الكشاف، فلبّيت الطلب، وكان ذلك اليوم سبب انضمامي إلى الكشاف، والتعرف إلى الحياة الكشفية والتعلق بها حتى اليوم.

طرابلس، 1/7/2008

غسان رزق العلي

 

هناك 6 تعليقات:

الجنرال الأبيض

  الجنرال الأبيض هذه القصة أنا بطلها، غسان رزق العلي، وحدثت معي في أحد أيام الثلج في صافيتا. أيقظني أبي من النوم، وكان الثلج قد نثر غطاء...