هوس بحب صافيتا
كان
شغفي بصافيتا كبيرًا إلى درجة أنني كنت أسأل فورًا أي شخص أعرف أنه من سوريا عن
منطقته، وكم كان يخيب أملي عندما لا يكون من نواحي صافيتا.
أذكر
أنه في عام 1979، كنت أخدم في بلدة الحدث في بيروت، وبينما كنت في حديث مع أحد
العسكريين، ذكر اسم صافيتا، فأنشت أذنيّ مباشرة، وتقدمت منه قائلًا: من تعرف من
صافيتا.
فأجاب
بأنه يعرف عائلة من بيت لولو، وهنا قفز قلبي في صدري، وقلت له بحماس إنني أعرفهم،
فأنا كنت أسكن في نفس الحارة التي يسكنون بها في صافيتا، وأخبرته بأنني أعرف أهلهم
وذكرت بعض أفراد العائلة.
حينها،
أخبرني بأن ميشو لولو كان يعمل في لبنان، لكنه توفاه الله منذ فترة وجيزة، رحمه
الله.
دبّ
الحزن في قلبي، لأنني كنت أعرف المرحوم عن قرب، وكنا نلعب سويّة في أيام الطفولة.
في
الصيف من نفس العام، صعدنا إلى المتن الأعلى في مهمة أمنية، وانتشرنا هناك، حيث
كنا نقوم بدوريات في منطقة عملنا.
كان
الناس يرحبون بنا بمحبة وشغف، ويعزموننا على شرب القهوة أو العصير، وأحيانًا على
الأكل معهم.
وفي
أحد الأيام، وبينما كنا في دورية وتوقفنا عند أحد الأهالي السهرانين، بدأنا نتبادل
الأحاديث معهم.
قالوا
لنا أنه يوجد بالقرب من المنطقة متحف لرسام مشهور يُدعى قيصر الجميل، وأنه يحتوي
على العديد من الرسومات التي لا تُقدر بثمن.
سألتهم
إن كنا نستطيع زيارته نهارًا، فرد عليّ أحدهم قائلًا: بدك تشوف حدا من بيت حدو،
إذا يسمحون لك أن تدخل.
وهنا،
تنبهت أن هذا الاسم مألوف لي، فقلت مستفسرًا: حدو.
فسألني
الرجل: إي، بتعرفه.
فقلت
مترددًا: يمكن إذا كان من صافيتا.
فردّ
فورًا بحماس: نعم، هو من صافيتا.
فقلت
له مباشرة: فيني روح شوفهم.
فقال:
الآن والدنيا ليل، تعال غدًا في الصباح.
فاتفقنا
على أنه سيخبرهم بزيارتي، ثم يرد عليّ الخبر.
في
اليوم التالي، وعند الساعة الحادية عشرة صباحًا، وصل الرجل إليّ وهو يضحك، فقلت له
باستغراب: خير، شو سبب الضحكة.
فقال
مبتسمًا: إنهم بانتظار زيارتك لهم.
سألته:
هل أستطيع الذهاب الآن.
فأجاب:
طبعًا، نعم.
طلبت
الإذن من الضابط المسؤول عني، فسمح لي، ثم ذهبت مع الرجل بسيارته إلى بيت حدو.
عند
وصولنا، استقبلوني استقبالًا رائعًا، يملؤه الترحيب والحفاوة، فدخلت بيتهم، وكان
بيتًا متواضعًا، والعائلة قريبة جدًا من بعضها، والكل بشوش ومحب، وهذا أراحني
كثيرًا.
تعرفت
عليهم، وعرفتهم على نفسي، وبدأت أذكر لهم من أعرف من أقربائهم، عن بيت سليمان، بيت
حنا، والمرحوم أبو حدو.
تحدثت
معهم عن كيف كان في آخر أيامه، وكيف كان يخبرني عن حدو، ويتمنى أن يراه ولو لمرة
واحدة، رغم أنه فقد النظر في آخر حياته.
حزنوا
لذلك، لكن الفرح غمرهم كونهم تعرفوا عليّ، ودامت معرفتنا قرابة ثلاثة أشهر.
ولكن
بعدها، انقطعنا عن بعضنا بسبب الحرب التي كانت تعصف بلبنان.
هل
سيبقى هذا الهوس.
وحتى
الآن، لا يزال هذا الهوس بي صافيتا يسكنني، ولا أعرف إن كان سيرحل عني يومًا، أو
إن كان حبي لها سيبقى خالدًا في داخلي.
طرابلس
– 13/6/2008
غسان
رزق العلي



